تضخيم الهياكل بدل ضبطها

في السنوات الأخيرة، ومع ارتفاع الوعي بأهمية حوكمة الشركات والجاهزية المؤسسية، بدأت العديد من الشركات—خصوصًا في مراحل النمو—باتخاذ خطوات جادة نحو “تنظيم نفسها”

لكن ما نلاحظه في ترتيب للاستشارات من خلال عملنا مع عدد كبير من الشركات… أن جزءًا كبيرًا من هذا التوجه يسير في الاتجاه الخاطئ بدل أن يتم ضبط الهياكل… يتم تضخيمها.

والفرق بين الاثنين… هو الفرق بين شركة تقود السوق، وأخرى تتعثر رغم كل الإمكانيات.


أولًا: ماذا نعني بتضخيم الهياكل؟

تضخيم الهياكل لا يعني فقط زيادة عدد الإدارات أو المناصب.

بل هو نمط تفكير يظهر عندما تعتقد الشركة أن:

“المزيد من اللجان، والمناصب، والسياسات… يعني حوكمة أفضل”

في الواقع، ما يحدث غالبًا هو العكس تمامًا.

نرى شركات:

  • تؤسس 5–7 لجان لمجلس الإدارة بدون دور واضح لكل لجنة
  • تضيف طبقات إدارية جديدة لحل مشاكل تشغيلية بسيطة
  • تبني سياسات تفصيلية لا تُستخدم في اتخاذ القرار
  • تعيّن مناصب قيادية بدون تحديد دقيق للصلاحيات

النتيجة:

تعقيد أعلى… وضوح أقل… وقرارات أبطأ


ثانيًا: لماذا تقع الشركات في هذا الفخ؟

من خلال تحليلنا، هناك 3 أسباب رئيسية:

1) الخلط بين “الاحترافية” و”التعقيد”

بعض الشركات تربط بين كونها “شركة احترافية” وبين امتلاكها لهياكل كبيرة ومعقدة.

لكن الاحترافية الحقيقية ليست في عدد الطبقات… بل في وضوح الأدوار وسرعة القرار وجودته.


2) ضغط المستثمرين أو التوسع السريع

مع دخول مستثمرين أو التوسع السريع، تحاول الشركات “إثبات جاهزيتها” عبر:

  • إنشاء مجالس ولجان
  • توثيق سياسات بشكل مكثف

لكن بدون تصميم مدروس، تتحول هذه الخطوات إلى عبء.


3) غياب التصميم المؤسسي من الأساس

العديد من الشركات تنمو بشكل طبيعي (Organic Growth)،

لكنها لا تعيد تصميم نفسها مع كل مرحلة.

فتبدأ بإضافة حلول فوق مشاكل… بدل إعادة بناء الهيكل من جذوره.


ثالثًا: كيف يظهر تضخيم الهياكل في الواقع؟

من المؤشرات الواضحة التي نراها:

  • اجتماع مجلس الإدارة يتحول إلى استعراض تقارير بدل نقاش استراتيجي
  • تداخل بين أدوار المؤسسين والإدارة التنفيذية
  • تأخر اتخاذ القرار بسبب الحاجة لموافقات متعددة
  • وجود إدارات كاملة بدون تأثير واضح على النتائج

إذا كانت شركتك:

  • تناقش نفس المواضيع أكثر من مرة
  • تتأخر في تنفيذ قرارات واضحة
  • أو تعتمد على “أشخاص” بدل “نظام”

فغالبًا أنت لا تعاني من نقص حوكمة… بل من تضخم في الهيكل.


رابعًا: ما الفرق بين الهيكل “المضخم” والهيكل “المضبوط”؟

الهيكل المضخم:

  • طبقات متعددة بدون قيمة مضافة
  • صلاحيات غير واضحة
  • قرارات بطيئة
  • اعتماد عالي على الاجتماعات

الهيكل المضبوط:

  • عدد طبقات مناسب لحجم وتعقيد الشركة
  • وضوح تام في الأدوار والمسؤوليات
  • سرعة في اتخاذ القرار
  • كل كيان (لجنة / إدارة) له هدف محدد وقابل للقياس

الهدف ليس “تقليل” الهيكل… بل تصميمه ليخدم القرار وليس يعيقه


خامسًا: كيف نعيد ضبط الهيكل؟

في ترتيب، نتعامل مع هذا التحدي من خلال 4 محاور رئيسية:

1) تصميم الهيكل حول القرار—not حول الأشخاص

نبدأ بالسؤال:

ما هي القرارات الأساسية في الشركة؟

ومن يجب أن يتخذها؟ وكيف؟

ثم نبني الهيكل لدعم هذا التدفق.


2) تقليل التعقيد المؤسسي

  • دمج اللجان المتداخلة
  • إلغاء الأدوار غير المؤثرة
  • تبسيط خطوط التقارير

الهدف: كل عنصر في الهيكل يجب أن يضيف قيمة واضحة


3) تفعيل دور مجلس الإدارة

مجلس الإدارة ليس جهة رقابية فقط، بل:

  • يحدد الاتجاه
  • يراقب الأداء الاستراتيجي
  • يدعم الإدارة التنفيذية

وعندما يكون دوره واضحًا… يقل التعقيد في باقي الهيكل.


4) بناء أطر واضحة لاتخاذ القرار

بدل الاعتماد على الاجتماعات:

  • تحديد من يملك القرار
  • متى يتم التصعيد
  • ما هي المعايير

الحوكمة الفعالة هي التي تقلل الحاجة للاجتماعات… لا تزيدها


سادسًا: الخلاصة

المشكلة ليست أن الشركات تهتم بالحوكمة…

بل أنها أحيانًا تطبقها بطريقة تزيد التعقيد بدل أن تقلله.

الحوكمة ليست:

  • عدد لجان
  • ولا حجم هيكل
  • ولا كمية سياسات


الحوكمة الحقيقية هي قدرتك على اتخاذ القرار الصحيح… في الوقت المناسب… بشكل متكرر


في ترتيب، نؤمن أن أفضل الهياكل ليست الأكبر… بل الأكثر وضوحًا وفعالية.

لأن في النهاية، الشركات لا تفشل بسبب نقص الجهد… بل بسبب تعقيد يمنعها من التحرك في الوقت المناسب.