في كثير من الحالات، لا تخسر الشركات فرص الاستثمار لأنها لا تملك فكرة جيدة، أو لأنها تعمل في سوق ضعيف، أو حتى لأنها لا تحقق نموًا معقولًا. أحيانًا تكون المشكلة أعمق من ذلك بكثير، وأقل وضوحًا على السطح. المشكلة تكون في أن هذه الشركات غير قابلة للمساءلة.
قد تبدو العبارة قاسية، لكنها في الواقع تصف واحدًا من أكثر الأسباب شيوعًا وراء تردد المستثمرين، وتعثر جولات التمويل، وضعف الثقة بين المؤسسين وأصحاب المصلحة. فالمستثمر، مهما كان متحمسًا للفكرة أو السوق أو حجم الفرصة، لا يضع أمواله في شركة لا يستطيع أن يفهم كيف تُدار، ومن يقرر فيها، وكيف تُقاس نتائجها، ومن يُحاسب عند الخطأ، وما إذا كانت الوعود التي تُقال يمكن الرجوع إليها ومراجعتها وتقييمها بوضوح.
الاستثمار في النهاية ليس مجرد رهان على الحلم، بل هو رهان على قدرة الشركة على تحويل هذا الحلم إلى عمل منظم، مفهوم، وقابل للمتابعة والمساءلة.
وهنا تظهر فجوة كبيرة بين شركات تبدو جذابة في العروض التقديمية، وبين شركات تبدو مطمئنة من الداخل. الأولى قد تعرف كيف تتحدث جيدًا. أما الثانية، فهي تعرف كيف تدير نفسها بطريقة تجعل المستثمر يشعر أن المال سيدخل إلى بيئة يمكن قراءتها وفهمها ومراقبة مسارها.
في هذا المقال من ترتيب للاستشارات ، سنناقش معنى أن تكون الشركة غير قابلة للمساءلة، ولماذا يعتبر ذلك عاملًا منفّرًا للمستثمرين، وكيف يؤثر غياب الحوكمة والوضوح التنظيمي وقياس الأداء على قرار الاستثمار، وما الذي يمكن للشركات فعله حتى تصبح أكثر جاهزية للاستثمار وأكثر قدرة على بناء الثقة مع المستثمرين والشركاء والجهات الممولة.
ما معنى أن تكون الشركة غير قابلة للمساءلة؟
عندما نقول إن شركة ما غير قابلة للمساءلة، فنحن لا نقصد بالضرورة أنها شركة فاسدة، أو أنها تخفي أشياء متعمدة، أو أنها تعمل بنية سيئة. في كثير من الأحيان، تكون الشركة ببساطة قد نشأت بسرعة، وتحركت بنمط مؤسسي غير مكتمل، واعتمدت في توسعها على الاجتهاد الشخصي أكثر من اعتمادها على النظام.
المقصود هنا أن الشركة لا تملك بنية واضحة يمكن من خلالها معرفة:
- من يتخذ القرار
- كيف يُتخذ القرار
- ما المعايير التي يُقاس بها النجاح أو الفشل
- من المسؤول عن كل ملف
- كيف تُراجع النتائج
- كيف تُدار المخاطر
- كيف يُصحح المسار عند ظهور الخلل
في الشركات غير القابلة للمساءلة، تصبح الأمور ضبابية. المسؤوليات متداخلة. القرارات تتم أحيانًا بشكل ارتجالي. الأرقام لا تتكلم لغة واحدة. التقارير لا تقدم معنى حقيقيًا. الاجتماعات كثيرة، لكن من الصعب أن تعرف ما الذي تم الاتفاق عليه فعلًا، ومن المفترض أن ينفذه، ومتى، وبأي مؤشرات قياس.
من الخارج، قد تبدو الشركة نشطة ومتحركة. لكن من الداخل، هناك فراغ واضح في البنية التي تجعل العمل قابلًا للفهم والمتابعة والتقييم.
وهذا بالضبط ما يقلق المستثمر.
لماذا يخاف المستثمر من الشركات غير القابلة للمساءلة؟
المستثمر لا يبحث فقط عن مشروع يحقق عائدًا. هو يبحث عن شركة يمكن الوثوق بها. والثقة هنا لا تُبنى على الحماس وحده، ولا على العرض التقديمي الجميل، ولا على القدرة العالية على الإقناع. الثقة تُبنى عندما يشعر المستثمر أن الشركة تعرف نفسها، وتعرف كيف تعمل، وتعرف كيف تفسر نتائجها، وتعرف كيف تواجه الأسئلة الصعبة.
عندما يجد المستثمر أن الشركة غير قابلة للمساءلة، فهو يقرأ ذلك باعتباره إشارة إلى مخاطر متعددة، منها:
1) صعوبة التحقق من الواقع
إذا لم تكن المسؤوليات واضحة، والمؤشرات غير مستقرة، والبيانات غير مترابطة، فإن المستثمر لا يستطيع أن يعرف إن كان النمو حقيقيًا، أو مؤقتًا، أو مبالغًا في تفسيره.
2) ارتفاع احتمال تكرار الأخطاء
في بيئة لا توجد فيها مساءلة واضحة، تتكرر الأخطاء لأن أحدًا لا يتوقف بوضوح عند أسبابها، ولا توجد آلية حقيقية للمراجعة والتعلم والتصحيح.
3) ضعف القدرة على التوسع
قد تنجح شركة صغيرة رغم الفوضى بفضل قرب المؤسس من كل التفاصيل. لكن عند التوسع، تصبح الفوضى عبئًا ثقيلًا. وكلما كبرت الشركة، ظهرت الحاجة إلى وضوح أكبر في الأدوار، والحوكمة، واتخاذ القرار.
4) الاعتماد المفرط على شخص واحد
حين تكون الشركة كلها مرتبطة بشخص المؤسس، أو بشخصية قيادية واحدة، يصبح الاستثمار أكثر خطورة. لأن المستثمر لا يريد شركة تعمل فقط عندما يكون شخص بعينه حاضرًا في كل تفصيل.
5) صعوبة إدارة الأزمات
في الأوقات الجيدة، يمكن إخفاء كثير من العيوب. لكن عند أول أزمة تشغيلية، أو مالية، أو قانونية، تظهر هشاشة البنية الداخلية. وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة.
لهذا السبب، قد ينسحب مستثمر من صفقة واعدة ليس لأنه لا يؤمن بالسوق، بل لأنه لا يشعر بالاطمئنان إلى الطريقة التي تُدار بها الشركة.
ليست كل شركة سريعة النمو شركة جاهزة للاستثمار
واحدة من أكثر الأفكار المضللة في عالم الأعمال هي الربط التلقائي بين النمو وبين الجاهزية للاستثمار. نعم، النمو مهم. الإيرادات مهمة. توسع قاعدة العملاء مهم. لكن كل هذا لا يكفي إذا لم يكن هناك نظام مؤسسي يستطيع تفسير ما يحدث وضبطه ومراجعته.
هناك شركات تحقق نموًا سريعًا، لكن عند الفحص الداخلي يتبين أن:
- التقارير المالية غير مكتملة
- آلية الموافقات غير واضحة
- قرارات التوظيف عشوائية
- الأهداف غير مترجمة إلى مؤشرات قابلة للقياس
- مجلس الإدارة شكلي أو غائب
- لا يوجد فصل واضح بين الملكية والإدارة
- السياسات الأساسية إما غير موجودة أو غير مفعلة
في هذه الحالة، يبدو النمو مثل بناء طابق جديد فوق أساس غير مستقر. قد يستمر لفترة، لكنه يثير قلق أي مستثمر يفكر على المدى المتوسط والطويل.
الاستثمار الذكي لا يطارد الضجيج فقط. هو يبحث عن شركة يمكنها أن تنمو دون أن تنهار من الداخل.
كيف تظهر مشكلة عدم القابلية للمساءلة داخل الشركة؟
غياب المساءلة لا يظهر دائمًا في شكل أزمة كبيرة. أحيانًا يظهر في تفاصيل صغيرة تتكرر يوميًا حتى تصبح جزءًا من ثقافة العمل. ومن أهم العلامات التي تكشف هذه المشكلة:
غياب الوصف الواضح للمسؤوليات
حين تسأل أكثر من شخص عن مالك ملف معين وتحصل على أكثر من إجابة، أو لا تحصل على إجابة أصلًا، فهذه علامة واضحة على ضعف المساءلة. كل مهمة يجب أن يكون لها صاحب واضح، وصلاحيات واضحة، وتوقعات واضحة.
قرارات مهمة دون توثيق أو مرجعية
بعض الشركات تتخذ قرارات مؤثرة في التسعير أو التوسع أو التوظيف أو العقود بناءً على نقاشات عابرة أو انطباعات شخصية، دون وجود توثيق واضح أو مرجعية يمكن الرجوع إليها لاحقًا. هذه البيئة تجعل من الصعب تقييم جودة القرار أو مراجعة نتائجه.
مؤشرات أداء عامة وغير عملية
من السهل أن تقول الشركة إنها تريد تحسين الأداء أو زيادة الكفاءة أو رفع رضا العملاء. لكن هذه عبارات عامة. ما الذي يعنيه ذلك رقميًا؟ ما خط الأساس؟ ما المستهدف؟ من المسؤول؟ ومتى تتم المراجعة؟ إذا كانت الإجابة غير واضحة، فالمساءلة غير مكتملة.
الخلط بين الاجتهاد الشخصي والعمل المؤسسي
في بعض الشركات، يتم الاحتفاء بالأشخاص الذين “ينقذون الوضع” باستمرار. ورغم أن هذا يبدو إيجابيًا، إلا أنه أحيانًا يخفي مشكلة أكبر: وهي أن العمل لا يسير بالنظام، بل بالاعتماد على مبادرات فردية تعالج القصور كل مرة بشكل مؤقت.
غياب المراجعة الصريحة للأخطاء
إذا كانت الأخطاء تمر دون تحليل، أو تتم مناقشتها بطريقة شخصية أو دفاعية، أو يتم تجاهلها من أجل الاستمرار، فهذه بيئة لا تساعد على بناء مساءلة صحية.
تداخل المصالح بين الملكية والإدارة
حين تختلط العلاقات الشخصية بالقرارات المؤسسية، وتصبح السلطة غير واضحة، تقل قدرة الشركة على بناء هيكل يمكن للمستثمر أن يطمئن إليه.
الحوكمة ليست رفاهية.. وإنما شرط ثقة
بعض الشركات تنظر إلى الحوكمة وكأنها طبقة شكلية تُضاف لاحقًا عندما تكبر الشركة جدًا، أو عندما تدخل في مراحل تنظيمية أكثر تعقيدًا. لكن هذا الفهم يضر بالشركة أكثر مما ينفعها.
الحوكمة ليست مجرد لوائح أو لجان أو محاضر اجتماعات. الحوكمة في جوهرها هي الطريقة التي تضمن أن القرارات تُتخذ في إطار واضح، وأن الصلاحيات محددة، وأن المصالح تُدار بشكل منضبط، وأن الشركة لا تتحول إلى مساحة مفتوحة للاجتهاد غير المنظم.
المستثمر عندما يسأل عن الحوكمة، فهو لا يبحث عن لغة رسمية فقط. هو يريد أن يفهم:
- هل هناك وضوح في الأدوار؟
- هل توجد جهة تراجع القرارات الجوهرية؟
- هل هناك فصل مناسب بين التنفيذ والرقابة؟
- هل التقارير تعكس الواقع؟
- هل الشركة تعرف كيف توازن بين السرعة والانضباط؟
كل إجابة مطمئنة على هذه الأسئلة تزيد من جاذبية الشركة الاستثمارية. وكل غموض فيها يرفع درجة التحفظ.
لماذا تؤثر المساءلة على تقييم الشركة؟
التقييم لا يتحدد فقط على أساس الإيرادات أو حجم السوق أو معدل النمو. هناك عنصر أقل صخبًا لكنه شديد التأثير، وهو جودة الشركة من الداخل.
الشركة التي تملك بنية مساءلة واضحة غالبًا ما تكون:
- أكثر قدرة على التنبؤ
- أقل عرضة للمفاجآت السلبية
- أقدر على إدارة المخاطر
- أسرع في تصحيح الانحرافات
- أوضح في توزيع المسؤوليات
- أكثر نضجًا في التعامل مع رأس المال
وهذا ينعكس على نظرة المستثمر للمخاطر. وكلما انخفضت المخاطر غير الواضحة، تحسن موقع الشركة التفاوضي، وأصبحت فرصها أفضل في جذب استثمار بشروط مناسبة.
أما الشركة التي تبدو غير منضبطة من الداخل، فقد تتعرض إلى واحد من ثلاثة أمور:
إما رفض مباشر، أو تأجيل طويل بحجة الحاجة إلى مزيد من الوضوح، أو عرض استثماري بشروط قاسية تعكس ارتفاع المخاطر.
بمعنى آخر، غياب المساءلة لا يضر فقط بقرار الاستثمار، بل قد يضر أيضًا بقيمة الشركة نفسها.
المستثمر لا يريد شركة مثالية.. بل شركة مفهومة
من الأخطاء الشائعة أن بعض المؤسسين يحاولون إظهار شركاتهم وكأنها بلا أخطاء. وهذا يدفعهم أحيانًا إلى تجميل الواقع، أو القفز فوق الأسئلة الحرجة، أو تقديم صورة ناعمة أكثر من اللازم. لكن المستثمر الخبير لا يبحث عن الكمال، لأنه يعرف أنه غير موجود.
ما يريده فعلًا هو شركة مفهومة.
شركة تعرف نقاط قوتها وضعفها.
تعرف أين نجحت وأين تعثرت.
تعرف ما الذي تم إصلاحه وما الذي لا يزال يحتاج إلى معالجة.
تعرف من المسؤول عن ماذا.
وتعرف كيف تقدم نفسها بوضوح وصدق وانضباط.
الشركة المفهومة أكثر جاذبية من الشركة التي تبدو براقة لكنها مرتبكة من الداخل. لأن وضوح الخلل مع وجود نية جادة للإصلاح أفضل كثيرًا من الغموض المغلف بالثقة الزائدة.
كيف تعرف أن شركتك تبدو غير قابلة للمساءلة أمام المستثمر؟
هناك مؤشرات متكررة تظهر أثناء اجتماعات المستثمرين أو مراحل الفحص النافي للجهالة. إذا وجدت هذه الإشارات تتكرر، فالأرجح أن هناك مشكلة حقيقية في بنية المساءلة داخل الشركة.
من هذه المؤشرات:
- اختلاف الإجابات على نفس السؤال بين أكثر من مسؤول
- صعوبة الحصول على رقم موحد أو تعريف واضح لمؤشر أساسي
- ربط معظم النجاحات أو القرارات بشخص واحد فقط
- غياب محاضر واضحة أو قرارات موثقة
- وجود سياسات لكنها غير مطبقة فعليًا
- عدم وضوح آلية اعتماد المصروفات أو التعاقدات أو التوظيف
- صعوبة شرح سبب التراجع أو التذبذب في بعض النتائج
- الارتباك عند الحديث عن هيكل الصلاحيات أو الرقابة الداخلية
هذه الأمور قد تبدو “داخلية” بالنسبة للإدارة، لكنها بالنسبة للمستثمر علامات حاسمة على مستوى النضج المؤسسي.
بناء المساءلة يبدأ قبل أن تحتاج إلى الاستثمار
كثير من الشركات تبدأ في ترتيب نفسها فقط عندما تقرر البحث عن مستثمر. وهنا تكون المشكلة أن الترتيب يصبح رد فعل متأخرًا، لا بناءً طبيعيًا. المستثمر غالبًا يلاحظ هذا بسهولة. فهو يميز بين شركة عاشت بهذه الثقافة فعلًا، وبين شركة تحاول أن تبدو منظمة قبل جولة التمويل بشهرين.
المساءلة لا تُبنى بسرعة من أجل العرض فقط. هي ثقافة، ونظام، وممارسة يومية. تبدأ من الطريقة التي تُحدد بها الأهداف، والطريقة التي تُراجع بها النتائج، والطريقة التي تُوزع بها المسؤوليات، والطريقة التي يُتعامل بها مع الخطأ، والطريقة التي يُناقش بها الأداء.
كلما بدأت الشركة مبكرًا في بناء هذه البيئة، أصبحت أكثر جاهزية للنمو، وليس فقط للاستثمار.
ما الذي يجعل الشركة قابلة للمساءلة؟
لكي تصبح الشركة أكثر قابلية للمساءلة، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى بيروقراطية ثقيلة أو هياكل معقدة. لكنها تحتاج إلى وضوح وانضباط واتساق. ومن أهم ما يساعد على ذلك:
1) وضوح الأدوار والصلاحيات
يجب أن يعرف الجميع من يملك القرار، ومن ينفذ، ومن يراجع، ومن يرفع التوصية، ومن يتحمل المسؤولية عند التعثر.
2) مؤشرات أداء حقيقية
ليس المطلوب كثرة المؤشرات، بل المؤشرات الصحيحة. مؤشرات مرتبطة بالأهداف، قابلة للقياس، مفهومة، ويتم مراجعتها دوريًا.
3) تقارير يمكن الوثوق بها
أي شركة تريد الاستثمار تحتاج إلى بيانات وتقارير تعكس الواقع فعلاً، لا مجرد أرقام تُجمع من أماكن متفرقة دون اتساق.
4) آلية واضحة لاتخاذ القرار
القرارات الكبيرة لا يجب أن تكون رهينة المزاج أو النفوذ الشخصي. يجب أن تكون هناك آلية مفهومة تحكم القرارات المهمة.
5) توثيق ومراجعة
الذاكرة المؤسسية مهمة. لا يكفي أن “الكل يعرف”. يجب أن يكون هناك ما يمكن الرجوع إليه، وقراءته، ومراجعته عند الحاجة.
6) ثقافة تسمح بالنقاش والتصحيح
المساءلة لا تعني العقاب المستمر. المساءلة الصحية تعني الوضوح، والتعلم، والتصحيح، وتحمل المسؤولية دون خوف أو إنكار.
العلاقة بين المساءلة والجاهزية للاستثمار
عندما تصبح الشركة قابلة للمساءلة، فإنها لا تتحسن فقط أمام المستثمر من حيث الشكل، بل تتحسن فعليًا من حيث الجاهزية. تصبح أقدر على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية مثل:
- لماذا نمت الإيرادات في هذا الربع؟
- لماذا ارتفعت تكلفة الاستحواذ؟
- من يملك قرار التوسع؟
- كيف تراجعون الأداء؟
- ما الذي يحدث عندما لا تتحقق الأهداف؟
- كيف تُدار المخاطر؟
- كيف تتعاملون مع التعثر؟
- ما الذي يمنع تكرار الأخطاء السابقة؟
كلما كانت الإجابات على هذه الأسئلة أوضح وأكثر اتساقًا، زادت ثقة المستثمر. وحين تزيد الثقة، تتحسن فرص التمويل، وتتحسن أيضًا نوعية المستثمرين الذين تنجذب إليهم الشركة.
فالجاهزية للاستثمار لا تعني فقط أن الشركة “تبحث عن مال”، بل تعني أنها جاهزة لاستقبال هذا المال ضمن بيئة تستطيع أن تستخدمه بكفاءة، وتتابع أثره، وتُحاسب نفسها على نتائجه.
شركات كثيرة تتعثر لأن المساءلة غائبة من البداية
المشكلة أن غياب المساءلة لا يظهر أثره فقط عند التفاوض مع المستثمرين. بل يظهر قبل ذلك بوقت طويل، في شكل تعثرات يومية:
- تأخر في التنفيذ
- تضارب في الأولويات
- استنزاف في الموارد
- قرارات تتغير باستمرار
- فرق عمل مرتبكة
- صعوبة في تقييم الأداء
- توتر داخلي بين الإدارات
- ضعف في الثقة بين المؤسسين أو الشركاء
كل هذا يستهلك طاقة الشركة ويخفض كفاءتها. وعندما تصل الشركة إلى مرحلة الاستثمار، تكون هذه المشكلات قد تراكمت حتى أصبحت واضحة جدًا لأي طرف خارجي يفحصها.
لهذا السبب، الشركات التي تهتم بالحوكمة، والوضوح، وبناء بيئة مساءلة مبكرًا، لا تبدو فقط أفضل أمام المستثمر، بل تعمل بشكل أفضل فعلًا.
دور الاستشارات في رفع قابلية الشركة للمساءلة
بعض الشركات تكون واعية بوجود الخلل، لكنها لا تعرف من أين تبدأ. وهنا يأتي دور الاستشارات المتخصصة، ليس في تقديم نصائح عامة، بل في تشخيص مواضع الغموض والضعف، وربطها بطبيعة الشركة ومرحلتها وأهدافها.
الاستشارة الجيدة تساعد الشركة على أن ترى نفسها كما هي، لا كما تتمنى أن تبدو. تساعدها على فهم أين تتعطل القرارات، وأين تتداخل الصلاحيات، وأين تفقد الأرقام معناها، وأين تحتاج البنية الإدارية والرقابية إلى ضبط أو إعادة تصميم.
في ترتيب للاستشارات، هذا النوع من الأسئلة ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزء أساسي من بناء شركة أكثر نضجًا واستعدادًا للتمويل والنمو. لأن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في غياب الفرصة، بل في أن الشركة لا تزال تُدار بطريقة تجعل المستثمر مترددًا في الوثوق بقدرتها على تحمل رأس المال وإدارته بمسؤولية.
كيف تبدأ الشركة في معالجة هذه المشكلة؟
البداية لا تكون بإنتاج ملفات كثيرة أو لوائح ضخمة لا يقرأها أحد. البداية الصحيحة تكون بتشخيص صادق. ما الذي يحدث فعلاً داخل الشركة؟ أين مواقع الغموض؟ ما القرارات التي لا تُدار بشكل واضح؟ ما المؤشرات التي لا يمكن الوثوق بها؟ أين تتداخل المسؤوليات؟ ما الملفات التي تعتمد على أشخاص بدل أن تعتمد على نظام؟
بعد ذلك، تأتي مرحلة الترتيب التدريجي:
- توضيح الأدوار
- تحسين آلية المتابعة
- اعتماد مؤشرات أداء مفهومة
- ضبط التقارير
- تنظيم مسار اتخاذ القرار
- تفعيل المراجعة الدورية
- بناء حد أدنى فعال من الحوكمة
المهم هنا أن يكون الحل واقعيًا ومتناسبًا مع حجم الشركة ومرحلتها. فليس المطلوب أن تتحول الشركة الناشئة إلى مؤسسة شديدة التعقيد، بل أن تصبح أكثر وضوحًا واتساقًا وانضباطًا.
في النهاية: المستثمر يستثمر في شركة يمكن محاسبتها
قد تكون لديك فكرة ممتازة، وسوق واعد، وفريق جيد، ونمو مشجع. لكن إذا لم تكن شركتك قابلة للمساءلة، فسيبقى هناك حاجز حقيقي بينك وبين الاستثمار.
المستثمر يريد أن يرى شركة يمكن فهمها، وقياسها، ومراجعتها، والثقة في طريقة إدارتها. يريد أن يعرف أن القرارات لا تضيع في المنطقة الرمادية، وأن النجاح لا يُنسب بشكل عشوائي، وأن التعثر لا يمر دون تفسير، وأن رأس المال سيدخل إلى بيئة مؤسسية يمكن أن تنضج وتستمر.
لهذا، فإن بناء المساءلة داخل الشركة ليس مجرد خطوة تنظيمية، ولا مجرد ملف حوكمة يوضع عند الحاجة. هو عنصر أساسي في قابلية الشركة للاستثمار، وفي قدرتها على النمو بثبات، وفي نوعية العلاقة التي تبنيها مع المستثمرين والشركاء.
الشركات التي لا تُستثمر أحيانًا ليست شركات سيئة، لكنها شركات لم تبنِ بعد البيئة التي تجعل الثقة ممكنة.
ومن هنا يبدأ الفرق.
كيف تساعدك ترتيب للاستشارات؟
في ترتيب للاستشارات نعمل مع الشركات والقيادات التي وصلت إلى مرحلة أصبح فيها وضوح القرار، وانضباط الإدارة، ورفع الجاهزية المؤسسية عوامل حاسمة للنمو أو التمويل أو إعادة الترتيب الداخلي.
نساعدك على قراءة الواقع الإداري والتنظيمي بشكل أدق، وتحديد مواضع ضعف المساءلة، وتحسين جاهزية الشركة من الداخل، حتى تصبح أكثر قدرة على كسب ثقة المستثمر، وأكثر استعدادًا للنمو على أسس متماسكة.
إذا كانت شركتك تحقق فرصًا جيدة لكنك تشعر أن هناك ما يربك المستثمر أو يضعف الثقة أو يؤخر الجاهزية، فقد تكون المشكلة ليست في السوق ولا في الفكرة، بل في قابلية الشركة للمساءلة.
وهذه مشكلة يمكن العمل عليها بوضوح، إذا تم التعامل معها بالشكل الصحيح.